صديق الحسيني القنوجي البخاري

148

فتح البيان في مقاصد القرآن

لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ معانيه ويفهمونها ، وهم أهل اللسان العربي ، وإنما خصوا بالذكر لأنهم يفهمونها بلا واسطة ، لكون القرآن بلغتهم ، وغيرهم لا يفهمها إلا بواسطتهم . قال الضحاك : أي يعلمون أن القرآن منزل من عند اللّه ، وقال مجاهد أي يعلمون أنه إله واحد في التوراة والإنجيل واللام متعلقة بمحذوف صفة أخرى لقرآنا ، أو متعلقة بفصلت ، والأول أولى ، وكذلك : بَشِيراً وَنَذِيراً صفتان أخريان لقرآن ، أو حالان من كتاب ، والمعنى بشيرا لأولياء اللّه ونذيرا لأعدائه وقرئا بالرفع على أنهما صفة لكتاب أو خبر عن محذوف . فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ أي الكفار عما اشتمل عليه من النذارة فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ سماعا ينتفعون به لإعراضهم عنه وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ الأكنة جمع كنان ، وهو الغطاء أي في أغطية مثل الكنانة التي فيها السهام ، فهي لا تفقه ما تقول من التوحيد ، ولا يصل إليها قولك ، قال مجاهد : الكنان للقلب كالجنة للنبل ، وقد تقدم بيان هذا في البقرة وَفِي آذانِنا وَقْرٌ أي صمم ، يمنع من استماع قولك ، وأصل الوقر الثقل ، قرىء بكسر الواو وقرىء بفتح الواو والقاف . وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ أي ستر وَمِنْ لابتداء الغاية ، والمعنى أن الحجاب ابتدىء منا وابتدىء منك ، فالمسافة المتوسطة بين جهتنا وجهتك مستوعبة بالحجاب ، لا فراغ فيها ، ولو قيل : بيننا وبينك حجاب ولم تأت لفظة من لكان المعنى أن الحجاب حاصل وسط الجهتين ، والمقصود المبالغة بالتباين المفرط ، فلذلك جيء بمن وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك الحق وتقبله واعتقاده ، كأنها في غلف وأغطية تمنع من نفوذه فيها ، ومج أسماعهم له كأن بها صمما عنه ، ولتباعد المذهبين والدينين ، وامتناع المواصلة بينهم وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، كأن بينهم وما هم عليه ، وبين رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وما هو عليه حجابا ساترا ، وحاجزا منيعا ، من جبل أو نحوه . فلا تلاقي ولا ترائي . فَاعْمَلْ أي استمر على دينك وهو التوحيد إِنَّنا عامِلُونَ أي مستمرون على ديننا ، وهو الإشراك ، وقال الكلبي : اعمل في هلاكنا فإنا عاملون في هلاكك ، وقال مقاتل : اعمل لإلهك الذي أرسلك فإنا نعمل لآلهتنا التي نعبدها ، وقيل : فاعمل لآخرتك فإنا عاملون لدنيانا ، أو فاعمل في إبطال أمرنا فإنا نعمل في إبطال أمرك ، ثم أمره اللّه سبحانه أن يجيب عن قولهم هذا فقال : قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ أي إنما أنا كواحد منكم لولا الوحي ، ولم أكن من جنس مغاير لكم حتى تكون قلوبكم في أكنة مما أدعوكم إليه ، وفي آذانكم وقر ، ومن بيني وبينكم حجاب ، ولم أدعكم إلى ما يخالف العقل ، وإنما أدعوكم إلى التوحيد .